ابراهيم بن عمر البقاعي

341

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

طال عذابهم ، تهذيبا لهم من المعاصي بما أشار إليه لفظ « سوف » أَجْراً عَظِيماً * أي بالخلود في الجنة التي لا ينقضي نعيمها ، ولا يتكدر يوما نزيلها ، فيشاركهم من كان معهم ، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم . ولما كان معنى الاستثناء أنه لا يعذبهم ، وأنهم يجدون الشفيع بإذنه ؛ قال مؤكدا لذلك على وجه الاستنتاج منكرا على من ظن أنه لا يقبلهم بعد الإغراق في المهالك : ما يَفْعَلُ اللَّهُ أي وهو المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى المطلق بِعَذابِكُمْ أي أيها الناس ، فإنه لا يجلب له نفعا ولا يدفع عنه ضرا . ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا قال : إِنْ شَكَرْتُمْ أي نعمه التي من أعظمها إنزال الكتاب الهادي إلى الرشاد ، المنقذ من كل ضلال ، المبين لجميع ما يحتاج إليه العباد ، فأداكم التفكر في حالها إلى معرفة مسديها ، فأذعنتم له وهرعتم إلى طاعته بالإخلاص في عبادته وأبعدتم عن معصيته . ولما كان الشكر هو الحامل على الإيمان قدمه عليه ، ولما كان لا يقبل إلا به قال : وَآمَنْتُمْ أي به إيمانا خالصا موافقا فيه القلب ما أظهره اللسان ؛ ولما كان معنى الإنكار أنه لا يعذبكم ، بل يشكر ذلك قال عاطفا عليه : وَكانَ اللَّهُ أي ذو الجلال والإكرام أزلا وأبدا شاكِراً لمن شكره بإثابته على طاعته فوق ما يستحقه عَلِيماً * بمن عمل له شيئا وإن دق ، لا يجوز عليه سهو ولا غلط ولا اشتباه . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 148 إلى 151 ] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من تقبيح حال المجالسين الخائضين في آياته بما هي منزهة عنه ، ومما يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم بتلك المجالسة من النهي عن مثل حالهم ، ومن جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى أن ختم بأشد عذاب المنافقين ، وحث على التوبة بما ختمه بصفتي الشكر والعلم ؛ أخبر أنه يبغض خوض الكافرين الذين قبح مجالستهم حال التلبس به ، وكذا كل جهر بسوء إلا ما استثناه ، فمن أقدم على ما لا يحبه لم يقم بحق عبوديته ، فقال معللا ما مضى قبل افتتاح أمر المنافقين من الأمر بإحسان التحية : لا يُحِبُّ اللَّهُ أي المختص بصفات الكمال الْجَهْرَ أي ما يظهر